مجمع البحوث الاسلامية
261
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مَنِ اتَّقى قد مرّ معناه . ( 1 : 284 ) الفخر الرّازيّ : أمّا قوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها : أحدها : قال الحسن والأصمّ : كان الرّجل في الجاهليّة إذا همّ بشيء فتعسّر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يأتيه من خلفه ، ويبقى على هذه الحالة حولا كاملا ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك ، لأنّهم كانوا يفعلونه تطيّرا ، وعلى هذا تأويل الآية وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها على وجه التّطيّر ، لكن البرّ من يتّقي اللّه ولم يتّق غيره ، ولم يخف شيئا كان يتطيّر به ، بل توكّل على اللّه تعالى واتّقاه وحده ، ثمّ قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لتفوزوا بالخير في الدّين والدّنيا ، كقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ . . . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً الطّلاق : 2 - 4 . وتمام التّحقيق في الآية : أنّ من رجع خائبا يقال : ما أفلح وما أنجح ، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أنّ الواجب عليكم أن تتّقوا اللّه حتّى تصيروا مفلحين منجحين . وقد وردت الأخبار عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالنّهي عن التّطيّر ، وقال : « لا عدوى ولا طيرة » وقال : « من ردّه عن سفره تطيّر فقد أشرك » أو كما قال : وأنّه كان يكره الطّيرة ويحبّ الفأل الحسن ، وقد عاب اللّه تعالى قوما تطيّروا بموسى ومن معه قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ النّمل : 47 . الوجه الثّاني في سبب نزول هذه الآية : روي أنّ في أوّل الإسلام كان إذا أحرم الرّجل منهم ، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، أو يتّخذ سلّما يصعد منه سطح داره ثمّ ينحدر ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء ، فقيل لهم : ليس البرّ بتحرّجكم عن دخول الباب ، ولكن البرّ من اتّقى . الوجه الثّالث : إنّ أهل الجاهليّة إذا أحرم أحدهم نقب خلف بيته أو خيمته نقبا ، منه يدخل ويخرج إلّا الحمس - وهم قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وثقيف ، وخيم ، وبنو عامر بن صعصعة ، وبنو نصر بن معاوية ، وهؤلاء سمّوا حمسا لتشدّدهم في دينهم ، والحماسة : الشّدّة ، وهؤلاء متى أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتّة ، ولا يستظلّون الوبر ، ولا يأكلون السّمن والأقط - ثمّ إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان محرما ورجل آخر كان محرما ، فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حال كونه محرما من باب بستان قد خرب ، فأبصره ذلك الرّجل الّذي كان محرما فأتبعه ، فقال له عليه السّلام : تنحّ عنّي . قال : ولم يا رسول اللّه ؟ قال : دخلت الباب وأنت محرم . فوقف ذلك الرّجل فقال : إنّي رضيت بسنّتك وهديك ؛ وقد رأيتك دخلت فدخلت ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وأعلمهم أنّ تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببرّ ، ولكن البرّ من اتّقى مخالفة اللّه ، وأمرهم بترك سنّة الجاهليّة ، فقال : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية . المسألة الثّانية : ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه : الأوّل : وهو قول أكثر المفسّرين حمل الآية على هذه الأحوال الّتي رويناها في سبب النّزول ، إلّا أنّ على